مصر وقطر.. التصادم بسبب الإخوان

مصر وقطر.. التصادم بسبب الإخوان

مصر وقطر.. التصادم بسبب الإخوان

وكالات

بدأ استشعار القاهرة بخطر الدور القطري على الدور الإقليمي لمصر، وإدراك المسؤولين في مصر أن مصر هي بوابة القضية الفلسطينية، وأنه لا يمكن لأحد أن يدخل على خط هذه القضية دون التشاور مع القاهرة أو استئذانها.زاد من الحساسيات أن الجهود الدبلوماسية القطرية كانت تستبطن قدحاً شديداً في النظام العربي الرسمي، وتوجيهاً لأصابع الاتهام إلى الدول العربية الكبيرة، التي أسهمت الجزيرة في تجسيدها في نظر الجماهير باعتبارها القوى المسؤولة -ليس قطر البعيدة عن ساحة الصراع والصغيرة على أن تتحمل مسؤوليات تتعدى الالتزامات المالية-. ولقد وجهت الجهود القطرية لهدم مكانة ورمزية القوى التقليدية (وتحديداً مصر والسعودية)، وامتطاء حالة سخط جماهيرية كانت تعم أرجاء العالم العربي، وتصدير خطاب قومي عابر للوطنية يضر بالاستقرار الداخلي في هذه الدول، وعلى نحو يشعر معه باقي القيادات العربية بقدر من التقليل والمهانة، وذلك ما اتضح من خطابي أمير قطر اللذين وجههما إلى الأمة العربية بمناسبة حصار وحرب عزة، قبل القمة الطارئة في بلاده بأيام، واللذين برز فيهما خطاب عروبي زعامي يسعى إلى لعب دور قيادي والإعلان عن الذات، ويطرح رؤى متجاوزة لمعادلات الواقع العربي القائم حينها، فدعا إلى: انسحاب قوات الاحتلال من غزة، وفتح كل المعابر (وهو ما يتضمن معبر رفح المصرية، وكان لمصر موقف سياسي من موضوع هذا المعبر)، وتعليق مبادرة السلام العربية مع إسرائيل، وقطع العلاقات الدبلوماسية معها (وهو ما يعني مصر والأردن)، وإقامة جسر بحري تساهم فيه كل الدول العربية لنقل ما يحتاج إليه أهالي غزة، والسعي لمحاسبة إسرائيل على ما ترتكبه من جرائم حرب.

بدايات تصادم النظامين

بالنسبة للقاهرة، برز من هذه الخطابات سعي الأمير القطري لإفادة بلاده من الأزمة لأقصى مدى، وطرح نفسه كصاحب موقف نضالي مستقل، والقائد العربي المدافع الأول عن غزة، متناسياً دولاً عربية صاحبة تجارب وخبرات في القضية، حيث جعل بعد قطر عن محيط وجغرافيا الصراع الأمير أميل إلى رؤية الجماعات الراديكالية، وأرادت قطر أن تقود «بؤرة ممانعة» داخل محور الاعتدال العربي، على نحو تحتفظ فيه بموقعها الرسمي داخل هذا المحور، ويجعلها -في الوقت نفسه- في القلب السياسي لمحور الممانعة الأصلي (بقيادة سوريا وحزب الله وحماس) والمدعوم إيرانيا، وقد دفعها ذلك إلى التعريض بموقف مصر.لكن أكثر ما شهده ملف قطر مع مصر خلال عهد مبارك، هو إدراك الرئيس المصري عام 2010 لاتجاه قطر إلى الإخلال بالأوضاع الداخلية، ساعد على ذلك أن مصر كانت تمر بتحديات أكثر من أي وقت سابق، وقد كان ذلك ملموساً بشكل خاص في التناول الإعلامي لقناة الجزيرة لأوضاع مصر الداخلية، خصوصاً الانتخابات البرلمانية التي أجريت في سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، وهي التي شهدت ملامح شديدة للفساد والتزوير، وكانت مادة خصبة لتقارير «الجزيرة» وضيوفها ومعلقيها، وكان هذا التناول الإعلامي بالغ التأثير في المشهد المصري الداخلي، كما كان واضحاً في فتح الدوحة أبوابها أمام معارضي النظام مثل سعد الدين إبراهيم ويوسف القرضاوي، وهجومهم من خلالها على مبارك وأسرته وسياساته نحو توريث الحكم.

احتمالات موقف مبارك

الأول: أنه لم يكن يعلم فعلياً عن تدخلات قطر في الشؤون الداخلية لمصر أو علاقتها بالإخوان وحماس، وأن تصريحه بعد خروجه من السلطة أراد به أن يشير إلى إحاطته بأثر رجعي بأبعاد المخطط القطري، على نحو يبرز أنه لم يقع ضحية لخديعة قطرية.

الثاني: أنه كان يدرك ذلك فعلياً عام 2009 لكنه استبطنه لأجل احتواء قطر وعدم التصعيد معها؛ لاعتبارات داخلية تخص نظام حكمه.

الثالث: أن قراءته للدور القطري اختلفت خلال الفترة الوجيزة بين أغسطس (آب) 2009 -التي أجرى فيها حواره لشبكة «بي بي إس»- والفترة في أواخر 2010 ومطلع 2011، التي ربما تكشفت له خلالها حقائق جديدة حول دور قطر داخل بلاده.

الرابع: أنه كان على علم بتدخلات قطرية في مصر، ولكن بصور وأشكال أخرى ليس من بينها علاقتهم بالإخوان، وهو ما يعني –مثلاً- أشكال دعم للنشطاء والتيارات السلفية أو أنشطة للعمل الخيري داخل مصر.مبارك لم يكن قد تنامى إلى علمه شيء عن أي علاقة بين قطر والإخوان، لأنه في تلك الفترة لم تكن علاقة قطر بالإخوان أكثر من تعاطف إعلامي، ولم تكن قد اتضحت أبعاد التوافق والتلاقي، ثم الاندماج السياسي بين المشروعين.ويشير ذلك إلى تنامي حساسيات القاهرة بشأن الدور القطري، ليس لأنه يتضمن إضراراً بمصر، وإنما فقط لمجرد اجترائه على مساحات حركة تقليدية للدبلوماسية المصرية، مما ربط الموضوع بمسألة الكرامة الشخصية والوطنية، وهو أمر كان يتطلب وفق قول سابق لأبي الغيط «إذنا» من مصر.

العجز عن رد الموقف القطري

بالنظر إلى حالة الضعف التي بدا عليها نظام مبارك في 2009–2010، يبدو أن مصر لم يكن بمقدورها فعلياً -في هذا الوقت المتأخر قبيل الثورة- التصدي لهجمات ومبادرات النظام القطري، والتي تعهدت مصر بإجهاضها، ولذلك يمكن تقسيم أسلوب تعامل مبارك والقيادة المصرية مع التهديد القطري خلال تلك الفترة إلى نمطين أو توجهين رئيسين توزعت بينهما وجهة النظر المصرية، وهناك دلائل ومؤشرات على مراوحة وتردد مبارك نفسه بين كلا النمطين والتوجهين في التعامل مع قطر:لم يكن مبارك ليقوم بزيارته لقطر بعد ذلك بعشرة أشهر تقريباً، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، قبل الإطاحة به بنحو شهرين، إلا في ضوء حسابات معقدة، تتعلق بالأساس بالشيخوخة السياسية والجيلية التي كان يمر بها نظامه، فضلاً عن المشكلات الداخلية التي طالت وضعيته السياسية.لم يتضح في الفترات المبكرة من تلك العلاقة (بين 1995 و2005)، أنه كانت هناك رابطة قطرية خاصة مع جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر، ولم يكن هذا الموضوع في ذهن أي من المسؤولين المصريين عند التعامل مع النظام القطري، وكان أقصى ما يتحدث عنه النظام المصري في شأن العلاقات الدولية للإخوان خلال تلك الحقبة هو الحديث عن التنظيم الدولي للجماعة، دون تحديد لعلاقة الجماعة بدولة عربية محددة، وهو ما يشير إلى أن علاقة قطر بالإخوان تم بناؤها بشكل تدريجي، وأن قطر اكتشفت رؤيتها ومصلحتها من تلك العلاقة مع الزمن، ولم تكن لقطر رؤية مستقلة أو تصور عن تلك العلاقة أو عن تحالف سياسي بين الاثنين مسبقا، لكن المصالح من وراء هذا التحالف تشكلت تدريجيا وبالتكشف الذاتي، وربما جمعت بين الجانبين في محطات مختلفة أدوات التواصل مع الشبكات الخارجية والدولية، والتي دفعت إليها وعبرت عنها بوضوح أوراق سياسات في مراكز دراسات عالمية.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

تعليقات facebook

تعليقات facebook

عن الكاتب

صوت بلدنا الاخباري

عدد المقالات : 3234

اكتب تعليق

© 2017 جميع الحقوق محفوظة لموقع صوت بلدنا الاخباري

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com