الفرن …. قصة للكاتب / السيد شليل

الفرن …. قصة للكاتب / السيد شليل

الفرن …. قصة للكاتب / السيد شليل

فرن الحسانين لمن لا يعرفه، يخبز فيه « العيش »وصواني البطاطس باللحمة والفراخ، وطواجن البامية باللحمة الضاني، وتشوى فيه الأسماك بكل أنواعها، وأحجامها، وبهذه المميزات وحدها لا يكون غريبًا عن باقي الأفران، إلا كونه يباع فيه خيش البصل، وهذا هو مربط الفرس.

سبب معرفتي بذلك، ابن عمي محسن الذي ما إن سلمني أبي له حتي طلب مني أن أركب أمامه علي دراجته العالية، فوقفت أمامها أحاول الاعتلاء فوق ذلك الكرسي الخشب المنجد، وعندما فشلت ؛ ثبت قدميه في الأرض ثم رفعني بيديه حتي تمكنت من الجلوس عليه، وأمسكت بمقدمة الجادون وبدأ في التبديل، طالبًا مني أن أحرك الجرس حتي يفسح الناس لنا الطريق التي قطعناها من أول شارع معري مرورًا بجراج السيسي.أثناء الطريق لفت نظري ذلك القصر العتيق المحاط بسور من الحديد المضفور عالي الارتفاع ،ومن حوله كل شيء مزروع، والممر الطويل، ينتهي عند مدخل القصر، أنزلنا في حفرة بجوار السور مباشرة.زغدني في كتفي، وهو يعدل نظارته الطبيةقائلا: بص قدامك.

كان الطريق مستقيمًا، حتي وصلنا إلي سوقالسمك، تاركين علي يسارنا سينما اللبان، وعادل الحيلة، كل هذه المعلومات وأكثر كان يرددها علي مسامعي، حتي تكون حلقة في أذني، كي أستفيد منها عندما يرسلني وحدي لكي أشتري شكائر من خيش البصل، وبمجرد دخولنا إلي شارع صلاح الدين وعلي يسارنا قهوة الشيوخ وبعدها بعدة أمتار قابلنا محل العناني، فسألته عن السيارات التي كانت تقف أمام محله. منحني نفس الزغدة، ولكن في الكتف الأخرى هذه المرة ..

-اسمع وأنت ساكت.

قطعنا الطريق الطويلة حتي دخلنا إلي المنشية ،وانعطفنا ناحية اليسار، خطوات بسيطة وبعدها دلف إلي جهة اليمين فكانت الوسعاية، ركن دراجته علي إحدى الجدران القديمة، وأحكم غلقها ساحبًا المفتاح، وحرك القفل للأعلى وللأسفل حتي تأكد منه، ثم أشار إلي بعدما أنزلني.دخلنا ممرًا طويلاً ضيقًا علي جانبه أجولة كثيرة من الأخشاب، ثم أشار إلي ناحية الواقف أمام بيت النار، وهو يرص بعضًا من الأسماك صفًا واحدًا ،ويخلط البعض الأخر بالردة، جاءنا وهو يمسح عرقه في كم فانلته السوداء.

-ابن عمي.

– أهلاً وسهلاً.

أشار ناحية السلم المركون في إحدى الزوايا ،اعتليت السندرة الخشبية، وقد رصت فوقها كميات كبيرة من شكائر خيش البصل، بعدها رحت في نوبات عطس متواصلة، لم تهدأ حتي مسحت أنفي في إحداها.طلب مني أن أحدف مجموعة إلي الأسفل، ولكني تذكرت الوصايا التي لقنني إياها ابن عمي وبدأت في انتقاء الأقوى والسليم منها، فهذه الشكائر لها وظيفتان: أولهما يغطي بها السلك المخيط في شريط الشد بعدما يحزم بالصولة فتصبح السلوك واقفة في مكانها دون ميول ولكن إذا ضغطت عليها للأسفل نزلت معك ثم عادت ولابد لها من شيء يحفظها حتي توضع عليه الكرينة ثم يشد فوقها بقطعة أخري من الخيش، ومن فوقها القماش وهذه هي الوظيفة الثانية.ما إن رآني أفرز الشكائر حتي نظر ناحية ابن عمي ضاحكا.

-فعلاً ابن عمك.

جري ناحية الفرن، محركًا الغطاء الحديدي إلي جهة اليسار ثم نظر داخل الفرن وأمسك بالجاروف الخشب الطويل وضربه في باطن الفرن فأخرج صنية من الألمونيوم بها رائحة أميزها أغلب أيام الجمعة في بيتنا.بدأت في إلقاء الشكائر بسرعة، وابن عمي يتأكدمن نصاحتي وتنفيذي لوصاياه، وبعد تأكده راحبخطوات بطيئة عند الحاج محمد أمام بيت النار ،وهو يضرب يده في جيبه.لا شيء في هذا الفرن سوي دكتان من الخشب واحدة في مواجهة الفرن والأخرى في آخر الفرن في ركن مظلم لم أتبينه جيدًا، وأنا فوق السندرة.

وأثناء حسابهما دخلت امرأة وهي تحتضن ابنها، وتبكي في حرقة، جرى الحاج محمد تاركًا الحساب، ورفع قدم الطفل التي تراءت لي مثل وجه الوجبة التي شممت رائحتها، دخل إلي الممر المظلم وتبعته المرأة الباكية وهي تمطره بوابل من الأدعية، يجعلها الله من نصيبه، وعندما نظر إليها أقرت بما حدث، ولكن هذا لا يثنيها عن الإهمال ،فهي تعرف أن الولد لازال يحبو، من المفروض أن تأخذ حذرها، والصالة نفسها صغيرة، فكيف لها أن تضع الغلاية الألمونيا علي الباجور؟كانت نظرات الحاج محمد، مفادها أنه قدر ولطف، ثم حرك بابًا جهة اليسار فبدت أمامي أنواع عديدة من المراهم والكريمات والشاش والقطن، ومقص موضوع في كوب بلاستك وإلي جواره مشرط طويل.بوضع المحلول علي الساق المشوية يكون قد بدأ أولى خطوات العلاج وتطهير الجرح، وتزداد معها صرخات الطفل المتألم. تركهما وجرى ناحيةالفرن ثم أخرج صفًا من الأسماك متوسطة الحجموراح يقلبها علي الوجه الأخر، وأعادها للفرن مرة أخرى.مد غمرًا من الأخشاب ثم دفع بها فوق النار المشتعلة فازدادت توهجًا، انتظر قليلاً حتى هدأ غبار النشارة وأخرج صينية بطاطس بها قطعً من اللحم وردي اللون، ثم نادى علي صاحبتها التي كانت تتابع بعيون قلقة حالة الولد وتعاطفت مع أمه وبكائها.

وابن عمي مازال يعد بعض الوريقات المالية ،ينقص منها ويزيد، وأنا واقف أتابع عن بعد الأم وهي تربت علي كتف ابنها وتمسح دموعه بيديها ثم طبعت قبلة حانية علي جبينه.

مدت المرأة المبلغ الذي طلبه الحاج محمد، وقد وضع لها قطعة من الأبلاكاش وطالبها بالحذر.ألقت السلام علي الجالسين وخرجت بخطى حذرة.مد يده لابن عمي وهو ينظر إليه :

– بلاش مناكفة..

بعدما فشلا في المفاوضات التي لم يعرها اهتمامًا كبيرًا، فاجأ الولد وأخرج علبة جديدة ضغط عليها حتي أخرج كل ما بها علي القدم المحروق، وظل يضغط ويبرم مؤخرتها حتي وصل للفوهة، فتأكد له انتهاؤها ثم فرش المرهم عليالجرح وهو يتمتم ببعض من الآيات عن الشفاءالعاجل والأم تؤمن علي دعائه.وضع قطعة من الشاش الأبيض، لفها بعناية حتي اكتملت حول الرجل تمامًا ثم أخذ المقص وشق أخر الشاش إلي نصفين بالطول، وبدأ الربط.الولد قد غافل عيونه النوم، حاولت المرأة مد ورقة مالية له فنهرها بعينيه، فتسمرت مكانها وراحت هي ومن بقي في الفرن يلقون عليه وابلاً من الدعاء له ولأولاده ولأبويه كما ربياه صغيرًا.

خرجنا من الفرن، وكل منا يحمل الجوال الكبير من ناحيته، وعندما وصلنا إلي الوسعاية لم نجد الدراجة.

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

تعليقات facebook

تعليقات facebook

عن الكاتب

صوت بلدنا الاخباري

عدد المقالات : 3239

اكتب تعليق

© 2017 جميع الحقوق محفوظة لموقع صوت بلدنا الاخباري

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com