طبنجة ميري للأديب السيد شليل تتحدث عن البسطاء بقلم الناقد الكبير شوقي عبد الحميد

طبنجة ميري للأديب السيد شليل تتحدث عن البسطاء بقلم الناقد الكبير شوقي عبد الحميد

طبنجة ميري للأديب السيد شليل تتحدث عن البسطاء بقلم الناقد الكبير شوقي عبد الحميد

متابعة   : فيفي فاروق

 آثر “السيد شليل” أن يتخير عنوان أولي قصص مجموعته “طبنجة ميري”  والتي جاءت أول قصص المجموعة، متصدرة باقي قصصها التي عُنيت واهتمت بتناول حياة المهمشين والبسطاء من الناس، خاصة عمال وصنيعية معارض الموبيليا في دمياط، وما يعانونه من ضيق ذات اليد، وغبن في التعامل. وكأنه يُشهر تلك الطبنجة الميري في وجوههم، كي يستمر الغبن، وتستمر حياة السيد والعبد التي تكشف عنها تلك القصة التي تتناول ذلك التعجرف والطغيان التي يتعامل بها حامل الطبنجة الميري مع البسطاء من الناس، وكأنهم العبيد، فضلا عن ظهور الوجه الآخر لذلك الرمز والتعجرف، والذي يظهر عكس ذلك تماما في داخل البيت، ليكشف الكاتب عن تلك الازدواجية التي تعيشها السلطة، والتفاوت بين المظهر والجوهر. فحياة الطبقة الدنيا –إن جاز التعبير –  ومعاناتها، هي العنصر الغالب في المجموعة، إلي جانب الرؤي الإنسانية العامة، التي يتأمل فيها علاقة الإنسان بالحياة.

غير أن المجموعة يمكن تقسيمها إلي ثلاث مجموعات، او ثلاث مراحل، مر بها الكاتب، أو حاول أن يجرب في كل منها رؤية مختلفة كشكل يحمل رسالته الضمنية عبر هذه القصص. وحيث أن الكاتب لم يحدد تاريخ كتابة أي من قصص المجموعة، كان علينا أن نسعي للتصنيف الذي ربما يحدد مسار الكتابة عند الكاتب، حيث السمات المشتركة التي تؤلف بين كل مجموعة منها، والتي من أجلها نفضل القول بأنها مراحل ثلاث:

المرحلة الأولي وما يمكن أن نسميها مرحلة “المرآة المسطحة”، حيث جرت بها الأحداث من الخارج، بمعني أنها تناولت الحياة الخارجية، الساعية لقول كلمة محددة. دون أن تستبطن الحدث أو الشخصية، فكانت أشبه بالصورة المنعكسة علي المرآة المسطحة. ساعد في ذلك غلبة استخدام ضمير المخَاطب (أنت) والذي يعبر عن المواجهة، التي تعني التصارح، فجاءت الرؤية صريحة، لا تتطلب مجهودا للوصول إلي مرماها. إلي جانب أن محاولة تناول قضايا عامة، غَيَبَ ذلك الإحساس بالبيئة أو الأشخاص الذين تحولوا إلي آلة تحمل أفكار وري الكاتب.

وهو ما نستطيع أن نجده بوضوح في قصة “القرار”.  فنحن أمام شابين يتعاتبان حول قرار أحدهما بالسفر إلي الخليج، أمام ضغوط الفقر والحاجة، أمام ضعف دخل الأب واحتياج الأخت للزواج. لتصل إلي أن الأخت تم تزويجها – أو بيعها- لثري عربي، والآخر سافر إلي الخليج وتزوج من خليجية. فتبدأ القصة هكذا، وكأنها تدخل في الموضوع مباشرة:

{ غريب أمرك !

ألست من اتخذ القرار؟

ووقفت أمام الجميع وحكمت رأيك، وركبت رأسك حتي عندما خيرتك بين الأمرين………}

وليأتي رد الآخر: { ومن قال لك إني أخطأت في قراري؟}. حيث يبدو واضحا تلك المواجهة الحادة، التي تتطلب استعمال المنطق والحجة للإقناع، فغابت المشاعر والتفاعل الإنساني، الساعي إلي توصيل الرؤية بالتأثير علي مشاعر القارئ كسبا لتعاطفه أو رفضه، لا إقناعه بالمناقشة العقلية، التي لها مجال آخر غير الإبداع الأدبي.

فضلا عن الدخول في تفاصيل لا تخدم الرؤية الكلية للقصة، مثل وصف تلك العلاقة بين السارد و”بشري” ابنة الجيران، وكيف كان الكتاب يقع من يده وهو يتابعها تتهامس مع أختها في البلكون، وخروج أختها وحجج الحبيبة للفت نظره، إلي آخره.

كما جاءت بعض التفاصيل المربكة للقارئ، والتي تشتت ذهنه، مثلما في قصة “طبنجة ميري”. حيث رسمت القصة ملامح ذلك الضابط، رغم أن الكاتب لم يفصح بوظيفته، إلا أن { فتجلت أمام أعيننا طبنجته الميري تتوسط الحزام الجلدي الأسود داخل جراب من نفس الجلد موضوعة علي جانبه الأيمن}. وكذلك {إنه عندما يغضب من أحد يمكنه أن يستضيفك عنده في مكتبه، وبحكم عمله عليك أن تتوقع ما سيحدث لك. والضحايا قبلك لا حصر لهم}. فنحن إذن أمامنا عالم الضباط بتعاملاتهم مع عامة الشعب. غير أن جملة ترد بعد ذلك لتثير التشتت {هذا هو الرجل الذي كنا ننتظره… سوف تعمل عنده محاسبا..}. حيث تتحول الرؤية هنا لنصبح أمام رجل أعمال، لنقع في الحيرة، أمام من نحن نقف، مع ما استقر في مخيلة الجميع صورة كل من الضابط في جانب، ورجل الأعمال في جانب آخر.  

ونستطيع أن نتعرف علي تلك السمات المميزة لتلك المرحلة، بشكل أو آخر في قصص: “شريط أسود”، “قرض حسن” ، “مثل عين الشمس” “ظرف أصفر”، و “أرجوحة”.

المرحلة الثانية وما يمكن أن نسميها مرحلة “المرآة المقعرة”، حيث تعمل المرآة في هذه الحالة علي استبطان الشكل الخارجي، وهو السمة الأساسية لهذه المرحلة التي بلغ فيها الكاتب كامل النضج الفني، بل واستخدام الحيل الفنية للتلاعب والتداخل، حيث يتداخل الواقع في الخيال، والحلم بالحقيقة، والمرئي بغير المرئي. وقد تميزت قصص هذه المرحلة بالقصر النسبي، إذا ما قيست بقصص المرحلة الأولي، والتركيز غير المخل، وارتفاع مستوي اللغة والتعبير.

وهو ما نستطيع تبينه في قصة “موعد مؤجل” حيث يمهد القاص لرؤيته بوصف (الرجل)  بالخشونة ،التي يراد بها (الرجولة أو الفحولة)،حيث تسعي كل امرأة للحصول علي نصيب وافر من رطبه. { عندما يتدخل لفض نزاع علي الجميع الطاعة} يمنح السيدات (الرطب) ويهب البنات الكرملة، اما الأولاد فيمنحهم الرطب المعطوب.

ثم { يملك صحة شاب في العشرين من عمره. هكذا داعبته إحداهن فمنحها كبشة من البلح الطازج} وكأنها تحصل علي مكافأة الإجابة عن سؤال القصة، حيث تضع بؤرة القصة في هذه الجملة.

ثم {الموعد قد حان والنساء تجمعن علي شكل دائرة…… ولكنه لم يأت} غاب الرجل عن القرية .. وهو ما يمكن أن يتسع بنا ليشمل حدودا أوسع من القرية. نحن إذن في قرية غاب فيها الرجال- وهو ما توحي به القصة – ولم يعد فيها إلا ذلك الذي يملك الفحولة، يوزع الرطب علي سيدات القرية، ويمنح المُسْكِر لبناتها الصغيرات، بينما الأطفال يمنحهم الرطب المعطوب، وكأن رجال القرية هم المعطوبون. رسم لنا الكاتب تلك الصورة الخارجية، غير أن بيده كانت المرآة المقعرة لتُظهر لنا أعماق تلك الصورة، لنتعرف علي الرؤية الباحثة عن الرجل، الرجل القادر علي الفعل. وكأنه يدين القرية الخانعة، القرية التي ليس بها رجو

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

تعليقات facebook

تعليقات facebook

عن الكاتب

صوت بلدنا الاخباري

عدد المقالات : 3542

اكتب تعليق

© 2017 جميع الحقوق محفوظة لموقع صوت بلدنا الاخباري

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com