لضم الابرة … قصة قصيرة من روائع سمير الفيل

لضم الابرة … قصة قصيرة من روائع  سمير الفيل

لضم الإبرة

بقلم : سمير الفيل

دخلت نشوى من الباب المفتوح ، وسبقتها زغرودة أمها نصرة الشهاوي ، فاليوم هو موعد قياس فستان الفرح .

تدوس عايدة الخياطة قاعدة الماكينة بقدميها بينما يدها تدير أسطوانة الرأس ، وهي على هيئة قرص معدني من الصلب المغطى بطبقة من القصدير.

الفستان أبيض تزخرفه طبقات من الدنتيلا العريضة . ما حدث هو أن انكسرت الإبرة فتوقفت حركة الماكينة عن الدوران . سألت عايدة الخياطة عمن يمكنه لضم الإبرة.

أقسمت نصرة أنها لا تكاد ترى الخيط في الليل ، أما الخالة محاسن فقد حاولت وفشلت مرتين ، فما كان من نشوى العروس إلا أن مدت يدها لتلتقط الخيط ، وتلضم الإبرة بأقصى سرعة ، حدث هذا في ثوان معدودة ، فما كان من عايدة الخياطة إلا أن شهقت وقالت بلا احتراس : اللهم صل على النبي . عينك فيها البركة .

انتهت من تثبيت الأزرار ، وثقب العراوي ، ثم كشكشت الخصر قليلا قبل أن تصحب البنت في حجرة داخلية عبارة عن ثلاث مرايا ، اثنتان مواجهتان ، والمرآة الثالثة في وضع تقاطع ، أما الضلع الرابع ففيه تقف العروس .

خلعت نشوى ملابسها ، ولم يكن يسترها سوى السروال ومشد الصدر ، حتى بنس الشعر خلعتها فبان جمالها بلا حدود .

أمسكت عايدة بالدبابيس ، وظلت تضبط المقاسات ، لما تأخرت طرقت الأم الباب ودخلت بلا استئذان ، أخبرت الخياطة أن البنت نحيفة جدا ، وعليها أن تدس بعض الأقمشة من بقايا القصاقيص داخل ” السوتيان ” لتفحيم النهدين فوافقتها الخياطة.

إمعانا في إظهار المودة ، وتوطيدا للفرحة مدت الأم يدها بعشرين جنيها غير ثمن التفصيل وقالت لها في أذنها : ما فعلناه سر بيننا . هذا المبلغ خارج الحسبة.

بعد يومين جاءت الأم نشوى والخالة محاسن ،والخالة زليخة القادمة من السويس ، وأحضرن الفستان ، ولاحظن كم الدنتيلا الهائلة في الذيل والصدر ، فوثب الفرح في قلوبهن ، وطل من العيون.

أمام محل الكوافير وقف مختار العريس ، والذي له مقهى شعبي يقع في قلب سوق الحسبة ينتظر ، أما والده الملقب بالعمدة ، حمال الكراسي الخيزران ، فقد فتح حافظته وظل يدفع هنا وهناك حتى تحولت تلك الحافظة المنتفخة إلى قطعتي جلد طبيعي لا يوجد بينهما سوى بطاقة شخصية وبطاقة تموين ، وورقتي بفرة مع قطعة حشيش ملفوفة في السلوفان .

مختار شرب عدة كراسي حشيش فعمل دماغا كبيرا ، وجاءت السيارة في تمام زواقها ، وطال انتظاره لخروج عروسه ، فوجد فتاة لم يعرفها من كم الأصباغ على وجهها : الجفنان زرقاوان ، الشفتان حمراوان ، الخدان ورديان ، وقد وضعت في حضنها باقة ورد من الفل الصناعي . عرفها من النسوة اللائي معها .

النادي مكتظ بالضيوف : أصحاب ، وجيران ، وأقارب ، من أبناء العمومة والأخوال ، وجيران العمل ، من الدرجة الأولى حتى الدرجة الخامسة ، الرقص فريضة على كل من حضر مع موسيقى صاخبة قد تؤدي للطرش.

بعد انتهاء وصلات الموسيقى والرقص المجنون الذي يطير خلاله جسد العريس لأعلى ما يمكن عدة مرات ، حملتهما السيارة إلى البيت .

تحت السرير كانت توجد ” دجاجة الاتفاق ” بكبدها وقنصتها . دست البنت يدها وأخرجتها من مكمنها ، وقبل أن تقطعها لأربع أجزاء ، وجدت عريسها مختار قد ثقل جفنيه ، وكاد أن ينام.

اسرعت الفتاة بفتح شباك كبير مطل على الشارع الرئيسي فهبت نسمة هواء منعشة ، أيقظته ، فأسرع بتقبيلها بحنان نائم ، فأرخت جفنيها خفرا وخجلا.

قال لها : غيري ملابسك . خذي راحتك .

ردت بسعادة تشطرها حيرة نحوه : نأكل أولا.

وهو ما حدث فعلا ، فقد كانا في غاية الجوع ، تناول نصف الدجاجة مع الحساء والأرز ، وأتمت تناول ربع دجاجة وبقي الربع الأخير فوق المائدة.

دخلت لخلع ثوب زفافها ، وارتدت قميص النوم الأحمر ، وهو أجمل فستان لها ، مكشوف من الظهر حيث توجد حسنة على الكتف الأيسر. سوف تراوغه بها .

قام فغسل يديه وأغرق رأسه بكولونيا 555 ، وتوجه متعجلا ناحية حجرة النوم . تعثرت قدمه بالسجادة التي كان طرفها قد انكمش دون قصد ، فتعثر ، ووقع أرضا حيث اصطدمت رأسه بالحافة المدببة لمائدة السفرة ، وفوقها قرص الزجاج السميك ، فتأوه تأوها موجعا. سارعت نحوه كي تعينه على الوقوف فصرخت عندما رأت خيط الدم يتقاطر من جبهته.

مدت يدها بفوطة صغيرة وكتمت الجرح . باتصال تليفوني جاء حمال الكراسي مختار أبوفشة ، فتساند عليه العريس وهبطا السالم ، مترنحا من شدة الألم . في المستشفى خيط الطبيب جرحه بثلاث غرز صليبية . أعطيت له حقنة ضد التيتانوس ، ومسكن ليمنع الوجع.

عاد في ساعات الصباح الأولى ، دخل باب البيت ليجدها في انتظاره ، ويدها تحت خدها ، قالت له بمنهى الأسى : عليك ان تستريح الآن ، والصباح رباح .

لكنه لم يسمع كلامها ، خلع كل ملابسه مبقيا على السروال ورباط الشاش فوق الرأس ، احتضن جسدها الفائر ، وظل يلف ويدور دون جدوى ، وكلما بذل جهدا أكبر ظهر عجزه.

راح يبحث عن حلول عملية قبل طلوع الصباح كي تصبح زوجته امرأة متزوجة من رجل فحل ، يعرف كيف يسوسها ، لكنه لم يستطع أبدا . تحولت عيناه إلى كتلتي دم .

قالت الأم وهي تزورها في صباح اليوم التالي : حسدتك عايدة وشهقت في وجهك . أكان لابد لك أن تلضمي الإبرة ؟!

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

تعليقات facebook

تعليقات facebook

عن الكاتب

صوت بلدنا الاخباري

عدد المقالات : 3542

اكتب تعليق

© 2017 جميع الحقوق محفوظة لموقع صوت بلدنا الاخباري

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com